من هندسة الاتصالات والإلكترونيات إلى هندسة الحكاية والسرد، انتقل الكاتب السوري سومر شحادة بخطى واثقة نحو الأدب، حاملاً معه دقة المهندس، وقلق المبدع، وشغف الإنسان الذي عاش الحرب بكل تفاصيلها الصغيرة.
بروايته الأولى "حقول الذرة" التي نالت جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي، وضع اسمه بين أبرز الأصوات الجديدة في الأدب العربي، ثم جاءت روايته الثانية "الهجران" لتحصد جائزة نجيب محفوظ في دورتها الثالثة عام 2021، فكان واحدًا من الأصوات السردية التي استطاعت أن توازن بين العمق الإنساني والوعي.
وعلى هامش مشاركة الروائى سومر شحادة، فى الدورة الـ44 من معرض الشارقة الدولي للكتاب، أجرى "اليوم السابع" معه حوارًا عن تجربته، وهويته الأدبية، ورؤيته لمستقبل الرواية، وموقفه من الكتابة بالذكاء الاصطناعي.. إلى نص الحوار..
ــ كيف تصف مشاركتك الأولى في معرض الشارقة الدولي للكتاب؟
كانت تجربة مدهشة بالفعل، فأنا أزور المعرض للمرة الأولى ككاتب وزائر أتاح لي اللقاء مع أصدقاء كنت أعرفهم عن بعد، وأن أشارك في ندوة ثرية حول الهوية الاجتماعية، وتحدثت خلالها عن تجربتي ككاتب سوري يعيش تبعات الحرب، وكيف تتغير الهويات مع تبدّل الواقع والسلطة والمكان، وأرى أننا ككتاب سوريين في اختبار دائم لهويتنا: من نحن؟ وكيف نعرف أنفسنا وسط هذا الزخم من التغيرات؟
ــ كيف انعكست الحرب السورية على رؤيتك للإنسان والكتابة؟
عشت الحرب من الداخل، لا كمجرد مراقب، لذلك لم أتعامل معها كصراع سياسي أو عسكري، بل كحالة إنسانية تصنع شخصيات مضطربة ومعقدة ولم أكتب عن الحرب بعناوين كبيرة، بل انشغلت بتفاصيلها الصغيرة، بلحظات الخوف والنجاة والحب وسط الدمار، هذه التفاصيل هي التي تشكل جوهر الأدب الإنساني.
ــ درست هندسة الاتصالات والإلكترونيات.. فكيف حدث التحول نحو الأدب؟
أعتقد أن الكاتب لا تصنعه الجامعة بل التجربة الحياتية، في السنة الثالثة من دراستي للهندسة أدركت أن الأدب هو طريقي الحقيقي، وتعلمت من الهندسة الدقة والنظام والانتباه إلى التفاصيل، وهي أمور انعكست على أسلوبي في الكتابة، وأرى أن الأدب يشبه الهندسة في بنائه الداخلي، لكن لغته هي لغة الروح والمشاعر لا الأرقام والمعادلات.
ــ متى كانت بدايتك الفعلية في الكتابة؟
بدأت فعليا عام 2016، لكن التجربة الشخصية سبقت ذلك بسنوات، كنت قد كتبت رواية عام 2009، وجهزتها للنشر عام 2012، لكنها كانت تحكي عن "قصة حب"، في تلك الفترة بدأ البلد يتفتت فعلا، وشعرت أن من غير المناسب أن أنشر رواية عن الحب وسط كل ما يجري، وشعرت أنني مدين للمكان الذي أنتمي إليه، لأهلي والناس الذين أحبهم، فقررت تأجيل نشر الرواية وكتبت رواية أخرى عن الحدث السوري نفسه بعنوان "حقول الذرة"، وأرسلت هذه الرواية التي كانت صادمة إلى جائزة الطيب صالح، وفزت بها، ومن هناك بدأ مساري الحقيقي عام 2016، رغم أن التجربة بدأت قبل ذلك بكثير.
ــ هل تغيرت كتابتك أو أفكارك في الكتابة بين بداياتك واليوم خاصة بعد فوزك بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الثالثة لعام 2021؟
الاختلاف لم يكن في الأفكار ولا في الحرص على جودة ما نكتب، بل في الوعي بمسئولية الكلمة، عندما تشعر أن كلماتك أصبحت مقروءة، تبدأ بالبحث عن أثر أوسع، لكنه في الوقت نفسه أعمق، هذا هو الفارق الأساسي، ويمكنني أن ألخص ذلك في القول إن الوعي بالمسؤولية أصبح أكبر، أما إخلاصي للفن، فلم يتغير، ولم أكن بحاجة إلى جائزة لأتأكد من ذلك، كنت دائما مخلصا للفن، وللصدق مع النص.
ــ تبدو اللاذقية حاضرة بقوة في رواياتك.. ما سر هذا الارتباط؟
اللاذقية ليست مجرد مكان، إنها ذاكرة ووجدان، لم أخترها، بل هي التي اختارتني، المكان في الأدب ليس خلفية للأحداث فقط، بل كائن حي يتنفس داخل النص، وهو الذي يصوغ شخصياته وتفاصيله.
ــ حدثنا عن آخر أعمالك الأدبية؟
آخر رواياتي "الآن بدأت حياتي" صدرت العام الماضي في مصر، وستصدر قريبًا رواية "الهجران" ضمن مشروع ثلاثية اللاذقية، هذه الثلاثية ستصدر عن دار الكرمة باعتبارها عملًا متكاملًا، يربط بين المكان والذاكرة والإنسان.
ــ اخترت مصر لنشر أعمالك.. لماذا؟
ببساطة، لم يكن ممكنًا النشر في سوريا في تلك الفترة، ومصر تمتلك سوق قراءة حقيقي، فيها تفاعل إنساني وثقافي حي بين الكاتب والقارئ، وليست مجرد سوق بيع وشراء، وهناك جمهور قارئ نهم، وهذا ما يبحث عنه أي كاتب، وكتبي متاحة في معظم المعارض العربية، باستثناء سوريا حتى الآن.
ــ ما رأيك في الكتابة بالذكاء الاصطناعي؟
الذكاء الاصطناعي ربما يكون مفيدًا في الصحافة أو البحث العلمي، لكنه لا يستطيع أن يكتب رواية، والرواية تحتاج إلى مفردات الروح، لا إلى معادلات البرمجة، والكتابة هي صوت الإنسان في مواجهة العالم، وهي التعبير الأصدق عن هشاشتنا ودهشتنا وخوفنا، وكل ذلك لا يمكن لأي آلة أن تحسه أو تكتبه.